نبيل أحمد صقر

266

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

الغوص والتعمق لإقامة المعارف على أعمدة لا تقبل التزلزل ، ولدفع شبه المتشككين ورد مطاعن الملحدين ، فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرار كل حقيقة في نصابها ، وذلك بالتأويل الذي يقتضيه المقتضى ويعضده الدليل ، فسلكت جماعات مسالك التأويل الإجمالي بأن يعتقدوا تلك المتشابهات على إجمالها ، ويوقنوا بالتنزيه عن ظواهرها ولكنهم لا يفصلون صرفها عن ظواهرها ، بل يجملون التأويل ، وهذه الطائفة تدعى السلفية تقرب طريقتها من طريقة السلف في المتشابهات ، وهذه الجماعات متفاوتة في مقدار تأصيل أصولها تفاوتا جعلها فرقا فمنهم الحنابلة ، والظاهرية والخوارج الأقدمون غير الذين التزموا طريقة المعتزلة » « 1 » . وما يلفتنا فيما ذكره ابن عاشور في تفسير هذه الآية أن " ناظرة " من نظر بمعنى عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب اللّه تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبتهم . وراح يؤيد [ الرؤية ] بأخبار واردة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم فما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ، ولكنها أخبار تعنى أن الرؤية رؤية عين ، خصوصا ما رواه البخاري عن جرير بن عبد اللّه : " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته وربما قال : سترون ربكم عيانا " . وما أبهم علينا فيما ذكره ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية قوله : " فهذا معنى الآية بإجماله بظاهر القرآن " ، ثم قوله بعد ذلك : " فدلالة الآية على الإجمال دلالة ظنية لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة " . فثبوت المعنى بظاهر القرآن - كما يقول - هو دلالة قطعية لا ظنية خصوصا إذا أيدته الأخبار الواردة عن أعلى مراتب الحجية والتوثيق .

--> ( 1 ) التحرير والتنوير ج 29 ص 353 .